يخضع النص الشعري بين يدي مبدعه لتحولات تتمثل فيما يقوم به المبدع من تنقيح وتهذيب ، سعياً للوصول به إلى المستوى الفني المأمول الذي يرضي قناعاته .
في هذا الإطار صدر حديثاً كتاب نقدي بعنوان : تحولات النص الشعري : قراءة في نماذج من شعر التسعينيات في سوريا ، أعدّه وقدّمه وشـارك به الأسـتاذ الدكتور : محمـد صابر عبيد من جامعة الموصل ، إلى جانب كل من : الدكتور فيصل صالح القصيري المتخصص في فلسفة الأدب العربي الحديث ، والدكتورة عشتار داود محمد الباحثة في الدراسات الجمالية ، والدكتور خليل شكري هياس الشاعر والأكاديمي .
يبدأ الكتاب بمقدَّمة : الفكرة والمصطلح . هذه المقدَّمة تفيد بأن مصطلح (( الجيلية )) من المصطلحات الجديدة التي ظهرت في النصف الثاني من القرن العشرين ، بعد أن ظهرت أجيال جديدة في الأنواع الأدبية كافة ، قدَّمت رؤية جديدة للعمل الأدبي خرجت به من معطف التقليد الذي هيمن على الإبداع لفترة ، ونقلته إلى مناخات تقارب أفكار العصر وتستجيب لتطلعاته وانشغالاته ..
انطلق المصطلح ليصف الجيـل الذي حقق حضوره اللافت ؛ ليُطلَق عليه ( جيل الرواد) الذي أعلن عن فجر جديد للأنواع الأدبية ، وخاصة في الشعر والقصة والرواية ...
ولعل أساليب الكتابة الجديدة الذي تمكَّن هذا الجيل من رسم معالمها الحديثة ، كانت كفيلة بنقل الرواد إلى حيز الصيرورة في إطار فني برؤية واضحة ومنهج دقيق عبر حداثة الأنموذج ضمن إطار متجانس ، رغم التنوعات التي حظيت بها التجارب .
وكان الشعر الفن الأدبي الأكثر انسياقاً وراء بريق التسمية ، والأكثر تواجداً في الضمير الجمالي ..
ولو ألقينا نظرة سريعة على الأجيال الشعرية على صعيد التسمية في المشهد الأدبي ؛ لاكتشفنا تتابعاً جيلياً منتظماً بتسلسل منطقي يخضع للعقدية الزمنية وفق ما يلي :
1- جيل الرواد : وهي تسمية لاحقة أقرَّها النقاد بعد إدراك الخصوصية النوعية في النتاج الإبداعي .
2- جيل الستينيات : الذي امتد من المشرق إلى المغرب ، وفتح الباب على مصراعيه أمام تحققات جمة ذات خصوصية واضحة .
3- جيل السبعينيات : وقد توجَّه إلى العمق المعرفي ، وروّج لحداثته النوعية محققاً منجزاً شعرياً كبيرا .
4- جيل الثمانينيات : هذا الجيل ، بقيت تسميته تسمية إعلامية أفرزت شعراء مهمّين ذوي تجارب شعرية متميزة ..
5- جيل التسعينيات : حيث تمكَّن هذا الجيل من تحقيق حضور لافت في المشهد الشعري .
الأنموذج السوري :
يعد الأنموذج السوري من النماذج المركزية في الشعرية العربية .. وشعر التسعينيات في سوريا ذو حضور فعال وبارز ومتنوع على الصعيدين الكمّي والنوعي .. وشعر منطقة الجزيرة السورية شعر له خصوصيته يتأثر بالبيئة والمكان ، ويحتاج إلى دراسة معمقة .. والشعراء الخمسة الذي يتناولهم هذا الكتاب لهم لقاءات مشتركة يتدارسون فيها التحولات الشعرية في تجاربهم وتجارب الآخرين ..
الفصل الأول : أديب حسن محمد : شاعر وناقد ، له عدة مؤلفات ومخطوطات ، وحقق عدة جوائز .. يقول عنه د. محمد صابر عبيد : للشاعر أديب حسن محمد قصيدة شاملة لسيرة الشاعر الذاتية في الحياة والمكان والأشياء تنطوي على حسّ ملحمي ، وتتوافر على تقانات سرد درامية متنوعة تؤازر الخطاب الشعري ، وتسمح له برواية حكايته المشحونة بالمرارة والقهر ، عبر حساسية لغوية وتصويرية وإيقاعية تستجيب لرؤاها وتعكس جدل التفاعل بين آليات الحلم والذاكرة . يقول :
يروى بأني لم أكن
وإذاً فكيف تقاسموني
حالمين بقطف قلبي ؟..
تجربة تنطوي على تكثيف شديد لجوهر تجربة القصيدة ، وهي تنطلق لاستكمال معالم كونها الشعري ...
الدكتورة عشتار داود تتناول مجموعة (( وثامنهم حزنهم )) فتقول : يعد هذا الديوان عتباتياً من طراز خاص ، بوصفه يرتكز كلياً في تشكله على عتباته التي تناثرت على صفحاته دونما أدنى اقتصاد .. وحقق توحداً قرائياً مع ذلك الحزن المقدس شعرياً ، مما منح الحزن أبعاداً لا تحد ، وأضفى ظلالاً تفاؤلية ، تجد الخلاص في الإعتاق من ملوثات الواقع عبر حياة جديدة في عالم يوتوبي مرتقب .
الناقد خليل هياس في سياق قراءته لقصيدة ( ملك العراء ) رصد اشتغال الشاعر على حقل مهم من حقول النص الشعري يتمثل في الذاكرة الشعرية بوصفها إحدى الركائز المهمة في المسألة الإبداعية .. ووظيفة الذاكرة الشعرية تتمثل في استحضار الأحداث أو الأفكار ونقلها من حيز ماضوي إلى حيز الزمن وفق الوعي الآني بها .. القصيدة تقدم نفسها على أنها حكاية شعرية أخذتها الذات الشاعرة من المحيطين لتجعل منها مادة للمقولة الشعرية ...
الفصل الثاني : عيسى الشيخ حسن : شاعر وكاتب ، له عدة مجموعات مطبوعة ، وعدة مخطوطات قيد الطبع ، وقصائد مبثوثة في دوريات متنوعة ...
يتحدث الناقد محمد صابر عبيد عن (( قصيدة العائلة )) التي ترويها الذات الشاعرة في صميم السير الذاتية ، إذ تتمركز هذه الذات وتتفتح انطلاقاً من رؤية واقعية مشحونة برؤيا تخييلية ترتقي لبناء جديد بروح وثابة تبلور مشهداً شعرياً مكتظاً بالعاطفة والوجدان . وتظهر شخصية الأم في هذه القصيدة بوصفها بؤرة شخصانية تجمع المتفرقات وتوحد الأشتات ، تعنى بالحاضر وتستحضر الغائب عبر مفردات بيتية معبرة عن وجد قديم ..
أمّا الناقد فيصل القصيري فيقول : يحول الشاعر عيسى الشيخ حسن الحزن المتشظي في أعماقه وواقعه إلى حال شعرية خاصة عبر لغة منْزاحة تتسم مفرداتها بالأناقة ، وتتصف تراكيبها بغنى المعطيات الجمالية والدلالية والإيقاعية .
وهوس الشاعر بالغناء والإنشاد جعل لغته تمتاز بالرقة والأناقة وجمال الجِرس والأداء . يقول الشاعر :
ترفرف روح الغريب على دفتر من حطام
فيصحو من الحلم طفلاً كبيرا
ويرسم حيرته القاهرة
ينام على دكة من تعب
يجفف أحزانه العابرة
ويدنو إليها كأمٍّ وأب
وفي حقيقة الأمر – بحسب الدكتورة عشتار داود : إنَّ ما يحمله الماضي من أحلام في مستقبل أجمل ، هي المفتقدة .. والطابع الزمني هو الذي يسود ديوان ( يا جبال أوّبي ) وقد شكلت الذاكرة مكوناً شعرياً شغل معظم القصائد بتمظهرات مختلفة ، مما منحها بعداً حميمياً مصطبغاً بالحنين ..
ويتفق الأستاذ خليل هياس مع الناقدة عشتار ، مشيراً إلى أن الروحية تدعونا إلى استحضار الماضي لعقد مقاربة بين ما كان عليه الشعر ، وما آل إليه ..
الفصل الثالث : منير محمّد خلف : عضو جمعية الشعر في اتحاد الكتّاب ، يعمل في تدريس اللغة العربية منذ سنوات ولا يزال ، صدر له أربع مجموعات ، والخامسة في طريق الوصول . ينشر في عدد من دوريات الوطن العربي ، نال جوائز كثيرة..
يتجه الشاعر _ كما يقول الدكتور محمد صابر عبيد : في سياق معين ومهم من سياقات كتابته الشعرية إلى منطقة الأسرار ، وهي تمثل المخبر الذي ينتج فيه الشاعر تفاصيل عمله والبؤرة التي تتحصن فيها خصوصيته الإبداعية ، فيسعى إلى الكشف عن الأدوات والرؤى والفضاءات بطرائق مختلفة ، والتصريح بالحدود والآفاق والمساحات التي يعمل ضمن إطارها ، على النحو الذي يستخدم في ذلك لغة خاصة تضيء زوايا معتمة وخفايا غامضة في هذه المنطقة الحساسة البالغة الخطورة ، وهي تعبر عن الطراز الشعري الخاص ، والهوية الشعرية الخاصة ... يقول الشاعر منير خلف :
أنا لست أول شاعر
أخذ القصيدة معبرا
يا من جعلت قصائدي
قمراً يداعبه الكرى
تسعى الذات الشاعرة إلى توكيد حضورها في سياق ميراثها الشعري الممتد ، مثلما تسـعى إلى توكيد تحويل القصيدة إلى أداة عبور ؛ لإيجاد مسافة تفاعل بينها وبين الآخر ؛ لتلخص إشكالية التعبير في مسألة الإبداع الشعري ..
وعن بلاغة الاستهلال الشعري يتحدث الدكتور فيصل القصيري فيقول : يبدو على الشاعر منير محمد خلف - وعبر أكثر من مجموعة شعرية - احتفاء نوعي خاص بقضية العتبات النصية ، ويدل هذا على وعي بنائي وجمالي خاص لديه في الأسلوب البنائي ، فضلاً عن تمكنّه من تكريس طرازه في بناء قصيدة قائمة على إدراك سليم لأهمية العتبات النصية وسبل اشتغالها الشعري . يقول الشاعر :
أنا متعب يا أفين
يجر الأسى خطوتي والأنين
يلف تضاريس روحي
وما عدت أقوى على
حمل هذا الحنين
أمّا قصيدة ( جنازة الإرث ) التي أخذت المجموعة عنوانها ، فإن ذلك سبب كافٍ لأهميتها في نظر الشاعر ، وقدرتها على أن تمثل على نحو ما تجربة المجموعة ..
وعن المجموعة ذاتها تقول الناقدة عشتار داود : إنّ وضع عنـوان ديوان منير خلف ( جنازة الإرث ) تحت طائلة الرصد ، يحيلنا إلى مكنونين ينسربان دلالياً من أنهما من مقتضيات موضوعة المـوت ، وبالرغم من انعقادهما ، فهما يفترقان في طريقة الصياغة ..
الفصل الرابع : محمّد المطرود : كاتب وشـاعر ، له ثمار العاصفة ، وسيرة بئر ، ينقد الأعمال الأدبية ويشارك في الأماسي الشعرية بالمراكز الثقافية .. يقول عنه الناقد محمد صابر عبيد : الكتاب الشعري للشاعر محمد يشتغل في إطار استراتيجية تسميته على فضاء العنونة بوعي عميق ، يسعى إلى الإفادة من كل المخزونات المعجمية والدلالية والسيميائية والأسطورية .. يقول الشاعر :
لحواسنا ما يشبهنا من القسوة
كي تقذف في جب عميق
أو ترقد في زنزانة مهملة
كأنها آخذة من حجر قسوتها
وسمتها وارتجالات يقظتها ...
وعن ( سيرة بئر ) أيضاً تقول الدكتورة الناقدة عشتار : إنَّ الثيمة المحركة لعنوان هذا الديوان يتنازعها مكنونان دلاليان متضادان في حموليتها الدلالية ؛ ليتمازجا معاً في بوتقة هذه العتبة عبر المجاورة الفضائية الحادة فيما بينهما .. وذاك التضاد ناجم عن الإيحاءات الكامنة في كلمتي هذا العنوان ، محققاً أبعاداً دلالية كبرى ، نتيجة ما يسبغه السياق ..
أمّا الدكتور خليل هياس فيقول في نهاية رؤيته النقدية : لا نتناسى دور اللغة الشعرية التي عملت على تنوير المنظومة النسقية للسرد وتوسيع أبعاده وتعميقه عبر مساهمتها الفعالة في تشكيل الصور الشعرية ...
الفصل الخامس : عبد محمّد بركو : من مواليد الحسكة عام ثمانية وستين ، وهو شاعر وباحث متمرس في التراث ، وصحفي سوري ، له مجموعة صادرة عن وزارة الثقافة ، ودراسات في الأدب الشعبي ، وعدة مخطوطات ، وتحصّل جوائز مختلفة .. يقول عنه الدكتور صابر عبيد : قصائد عبد بركو تنحو في مسارها العام المنحى القائم على وضع المفارقة في مسار ما يمكن تسميته بـ النكتة الشعرية ، التي تنهض في أفقها المفارق على اكتشاف شعرية البساطة ، وعمق العفوية ، وفرادة التعامل النادر مع خصوصية اللغة وكيفية تفجير الطاقة التعبيرية بتشكيل صوري . يقول الشاعر :
تخرج قرنفلة
دون أن تضع عناوين حدائقها
على مقعده الشاحب في أقصى المزهرية
متناسية قفازها الأبيض
على سواد أصابعه ..
وبحسب الدكتور فيصل القصيري : فإنَّ التجربة الشعرية التي أنتجتها قراءته بالنظر والتحليل لقصيدة ( كل يوم ) للشاعر عبد بركو ، تتمثل بفعالية جدل الأمكنة وصراع النماذج الشخصانية .
أمّا الدكتور خليل شكري هياس فيفيدنا بأن الشاعر عبد محمد يمنح ذاكرته الساردة فرصة كافية للتجلي والحضور والتمظهر ، وذلك في مجموعته ( الملكوت ) .
- ما بقي أن أقوله في ختام هذا العرض السريع لهذا الإصدار : إنَّ الجهد الأدبي والنقدي واضح عبر تجلياته وآفاقه ، وثمة ترابط بين مجمل الدراسات في إطار منسجم ووعي التوثب نحو المنهجية المنبثقة من تأصيل وتماسك له جذوره وخصوصيته .. وأتأمل بشفافية أن يكون ثمة تتابع لرصد شعراء آخرين ضمن هذا السياق ؛ ليكتمل المشروع .