يمتاز الطيب صالح بأسلوبه العربي الجميل النقي فجملته موسيقية صافية إذ يعترف بهذه الموسيقي لما يقول: :الشعر العربي يستهويني، وقد قرأت وحفظت منه الكثير، واعتبر أن الشعر العربي أو لعله يكون، هو أعظم شعر في تاريخ الإنسانية، وفيه شعراء أحب أن أعود إليهم باستمرار، مثل المتنبي وأبي العلاء المعري، وأبي نواس والشعر العربي مليء حافل...حقيقة كان عندي أمل أن أزور معرة النعمان، وأحج إلى شيخي أبي العلاء، رحمه الله، وأتنسم نسمات المتنبي في حلب...

وقرأنا أشياء أخرى طبعاً، التاريخ العربي مثير، والفكر العربي غني ومثير، لكن إذا كان ثمة تأثير واضح علي، فهو الشعر... وقد يلاحظ القارئ إذا دقق النظر أنني أقدم عالماً يتأرجح بين عالم المتنبي وعالم أبي نواس، وعالم المعري، في روايتي "موسم الهجرة".

اضافهّ علي هذا إنه يعرف بيئته المحلية معرفة دقيقة كما هو واضح جداً في روايته"موسم الهجرهّ الي الشمال" ويملك في الوقت نفسه نظرة إنسانية قوية وحية وشديدة التأثير.‏

ملخص الروايهّ

وتدور أحداث "موسم الهجرة إلى الشمال" في نهاية الحرب العالمية الأولى.. كانت بشائر النصر قد هلّت وأصبحت بريطانيا العظمى أقوى دولة في العالم مما كان له أعظم الأثر على نفسية الشعب البريطاني، وينبغي أن نضع في الاعتبار هذا الإحساس، والإحساس المضاد لدى بطل الرواية، الإحساس بالتفوق الأبيض ويقابله الإحساس بالتفوق الأسود.‏

يعود الراوي إلى قريته في السودان، بعد أن أنهى دراسته في لندن وحصوله على درجة الدكتوراه في الشعر الإنجليزي، ويجد كل شيء كما هو في قريته، غير أن هناك مواطناً جديداً لم يره من قبل، يلفت نظره مع الذين جاءوا لاستقباله، ويعرف من أهله أن مصطفى سعيد غريب جاءهم منذ خمس سنوات وتزوج من القرية، وتثور التساؤلات عن هذا الغريب في نفس الراوي.. وفي ليلة يسكرون فيها تفلت من مصطفى سعيد قصيدة من الشعر الإنجليزي مما يثير في الراوي الشوق إلى معرفة سر الرجل، ويذهب إليه في منزله، فيدفع إليه مصطفى سعيد برزمة أوراق تكشف له عن سره، ويتأكد من أنه شخصية غير عادية.. ويحكي مصطفى سعيد للراوي قصة حياته، وكيف أخذوه إلى المدرسة برغبته في الوقت الذي كان الآباء يهربون أولادهم منها، وتفوقه على أقرانه، وكيف أنه التقى في القاهرة بمسز روبنصون وزوجها المستشرق وحبوهما له برعايتهما وحدبهما.. وتنتهي دراسته في القاهرة، ويتوجه إلى لندن لتكملة دراسته ويصبح محاضراً في الاقتصاد المبني على الحب؟‏

وهناك يلتقي بجين مورس وآن همند واليزابيث سيمور وشيلا غرينوود، ويحكي للراوي كيف أوقع بهن في حبائله، وكيف كان يخترع لهن الأحاديث والحكايات الخرافية.. ويقتل جين مورس، ويقدم للمحاكمة ويسجن سبع سنوات.. لقد انتحرت آن همند وتركت ورقة مكتوب فيها (مستر سعيد لعنة الله عليك)، أما شيلا غرينوود فلم تنبس ببنت شفة، وكيف تحايل للإيقاع باليزابيث سيمور وكانت امرأة في الأربعين من عمرها. ويحدث فيضان عنيف لنهر النيل، ويختفي مصطفى سعيد، ويترك زوجته وولديه أمانة -بموجب وصية -للراوي الذي يسافر إلى الخرطوم ليلتحق بوزارة المعارف، وتلاحقه صورة مصطفى سعيد وذكراه، ويقابل أحد المآمير المحالين إلى المعاش، ويحكي له عن مصطفى سعيد وكيف كان أبوه من قبيلة خائنة وأمه رقيقاً، ويلتقي ببعض الزملاء ومعهم أحد الإنجليز، ويحكون عن مصطفى سعيد وآراءه الخاطئة في الاقتصاد، ودوره المريب في المؤامرات التي حيكت ضد وطنه، ويفاجئهم الراوي بموته وبوصيته وثروته.‏

ويعود الراوي إلى قريته مصطحباً أسرته، ويستقبله الأهل ولا ينسى في غمار الاستقبال حديث الأهل عن المحصول وحاله، وأحوال الأعمام، ويفتح وصية مصطفى سعيد الذي يوصيه فيها بإفهام ولديه حقيقته، ويحار الراوي لاختيار مصطفى سعيد لنهايته ويذهب إلى بيت جده فيجده جالساً مع أصدقائه وبينهم ود الريس وبنت مجذوب، ويدور حديث ممتع بينهم إطاره جنسي، ولكن فحواه شوق الشرق (السودان) إلى ذكر حقيقي، تمثل ذلك في حديث بنت مجذوب.. ويعلم الراوي أن ود الريس المزواج يريد أن يتزوج أرملة مصطفى سعيد ويغضب لذلك ويغادر المجلس، ويتعجب جده من ذلك، إن المرأة قد مضى عليها ثلاث سنوات ولا بد لها من الزواج، وود الريس شاب في السبعين من عمره وغني، وهي تثق بالراوي لأنه وصي على وليديها..‏

ويذهب إلى حسنة بنت محمود أرملة مصطفى سعيد ليحدثها في أمر زواجها عن ود الريس، ويحس بعطرها الذي يفوح منها، ويسألها عن مصطفى سعيد فتقول له أنه كان زوجاً طيباً وأباً مثالياً. وحين يعرض عليها الزواج من ود الريس تهدد بأنهم لو أجبروها على الزواج منه فستقتله وتقتل نفسها، ويخبر ود الريس بذلك فيثور ثورة عارمة، ويقول له أنها ترفضني لأنها تحبك، ويعترف الراوي لنفسه بأنه يحبها بعد أن يتحدث مع صديق طفولته محجوب رئيس الجمعية الزراعية الذي ينصحه بالزواج منها.‏

ويغادر القرية إلى الخرطوم في سيارة، وهو في عجلة من أمره لا يعرف لها سبباً، وفي الطريق ترد صورة مصطفى سعيد ونسائه على ذهنه، ويصف من خلال الرحلة مشاعره كعربي افريقي، وهو يخترق بالسيارة الصحراء، ويتلقى برقية من صديقه محجوب بموت حسنة بنت محمود، ويعود إلى البلد ليجد أنهم زوجوها من ود الريس وأنها امتنعت عنه فيقتلها وتقتله، ويعلم الراوي تفاصيل ما حدث من بنت مجذوب بعد أن سقاها شيئا مسكرا، ولأن الجميع امتنعوا عن الخوض في الموضوع.. ويشتبك في مشاجرة مع صديقه محجوب لأنه وصمها بالجنون، وأنها لم تكن تساوي شيئاً، ويدخل الراوي حجرة مصطفى سعيد، ويشعل عود ثقاب ليبدد الظلام، فيجد مصطفى سعيد أمامه، ولكنه يكتشف أنها صورته هو في المرآة، ويبحث في أوراقه، ويصف محتويات الحجرة، ويعثر على ملخصات لأفكاره ونبذ عن نسائه بالتفصيل، ويكتشف أن مصطفى سعيد كان متعمداً إدخاله في حياته حتى يضمن لنفسه الخلود، ولكنه أي الراوي بعد أن يقرر حرق الحجرة يتراجع ويتركها، ويلقي بنفسه في النهر ليطفئ ناره، وفي أثناء السباحة يسيطر عليه التعب، ويحس بأن القاع يجذبه إليه، ولكنه يتذكر أنه لا بد أن يعيش لكي يبقى مع أحبائه أكبر وقت ممكن، ويندفع بأقصى ما يملك من طاقة يزعق: النجدة.. النجدة!!‏

تحليل الروايهّ

‏وقبل أن تمضي مع هذه الرواية الفذة أود لو أورد تحفظاً ضرورياً.. الرواية تروِي على لسان الراوي، وهو شخصية حددها المؤلف تحديداً يتقرب كثيراً من تحديده لشخصية بطل الرواية مصطفى سعيد، وفي عديد من الفصول نحس بأن الراوي هو البطل الحقيقي للرواية، ومصطفى سعيد لا يعدو أن يكون شبحاً له.. مصطفى سعيد على حد قوله: "نبي الله الخضر. يظهر فجأة ويغيب فجأة.." إنه رجل وسيم دون شك، جبهته عريضة رحبة، وحاجباه متباعدان، يقومان أهلة فوق عينيه: ورأسه بشعره الغزير الأشيب متناسق تماماً مع رقبته وكتفيه، وأنفه حاد منخاراه مليئان بالشعر. ولما رفع وجهه أثناء الحديث، نظرت إلى فمه وعينيه، فأحسست بالمزيج الغريب من القوة والضعف في وجه الرجل. كان فمه رخواً، وكانت عيناه ناعستين، تجعلان وجهه أقرب إلى الجمال منه إلى الوسامة.‏

ويتحدث بهدوء. لكن صوته واضح قاطع. حين يسكن وجهه يقوى. وحين يضحك، يغلب الضعف على القوة ونظرت إلى ذراعيه، فكانتا قويتين، عروقهما نافرة، لكن أصابعه كانت طويلة رشيقة، حين يصل النظر إليهما بعد تأمل الذراع واليد، تحس بفتنه كأنك انحدرت من الجبل إلى الوادي وحين قدم مصطفى سعيد إلى المحاكمة بعد أن قتل جين مورس كان يحس بأنه فعل شيئاً جعله مميزاً بالإضافة إلى مميزاته العنصرية والبيولوجية.. كان يجلس في المحكمة يقول لنفسه:‏

"ولكن كل واحد منهم في هذه المحكمة سيسمو على نفسه لأول مرة في حياته، وأنا أحس تجاههم بنوع من التفوق، الاحتفال مقام أصلاً بسببي، وأنا فوق كل شيء مستعمر، وأنني الدخيل الذي يجب أن يبت في أمره. حين جيء بمحمود ود أحمد لكتشنر وهو يرسف في الأغلال بعد أن هزمه في موقعة أتبرا قال له:‏

(لماذا جئت بلدي تخرب وتنهب) الدخيل هو الذي قال ذلك لصاحب الأرض: وصاحب الأرض طاطأ رأسه ولم يقل شيئاً.‏

فليكن أيضاً ذلك شأني معهم. إنني أسمع في هذه المحكمة صليل سيوف الرومان في قرطاجة، وقعقعة سنابك خيل إلينبي وهي تطأ أرض القدس. البواخر مخرت عرض النيل أول مرة تحمل المدافع لا الخبز -وسكك الحديد أنشئت أصلاً لنقل الجنود وقد أنشئت المدارس ليعلمونا كيف نقول (نعم) بلغتهم.‏

إنهم جلبوا إلينا جرثومة العنف الأوروبي الأكبر الذي لم يشهد العالم مثيله من قبل لا في السودان و لا في فردان، جرثومة مرض فتاك أصابهم منذ أكثر من ألف عام، نعم يا سادتي، إنني جئتكم غازياً في عقر داركم قطرة من السم الذي حقنتم به شرايين التاريخ. أنا لست عطيلاً -عطيل كان أكذوبة" .

مصطفى سعيد إذن مثقل بعبء التفوق الغربي الأوروبي، وهو قد قاومه بطريقته، كان يريد أن يثبت أنه ليس عطيلاً ذلك المغربي كان يقود جيوش البندقية وأعطيت له (ديدمونة) وقد قتلها غيرة وشكا، مصطفى سعيد قتل جين مورس غيرة ونقمة، لأنها أذلته ومرغته في الوحل، لأول مرة يجد نفسه في الحضيض بفعل امرأة منهن.. أحد زملاء مصطفى سعيد قال عنه:‏

"كلنا واثقين أن مصطفى سعيد سيصير له شأن يذكر.. كان أبوه من العبايدة، القبيلة التي تعيش بين مصر والسودان.‏"

كان محاضراً في الاقتصاد، وتبوأ مراكز هامة في بلاده.. الدفاع عنه في المحاكمة قال: "مصطفى سعيد يا حضرات المحلفين إنسان نبيل، استوعب عقله حضارة الغرب لكنها حطمت قلبه.‏
هاتان الفتاتان لم يقتلهما مصطفى سعيد ولكن قتلهما جرثوم مرض عضال أصابهما منذ ألف عام" (ص 32).. ويركز المؤلف على إبراز شذوذ بطله وتفوقه العلمي والجنسي.. يقول مصطفى سعيد عن نفسه: "تعلمت الكتابة في أسبوعين، وانطلقت بعد ذلك لا ألوي على شيء، عقلي كأنه مدية حادة، تقطع في برود وفعالية لم أبال بدهشة المعلمين وإعجاب رفقائي أو حسدهم كان المعلمون ينظرون إلي كأنني معجزة، وبدأ التلاميذ يطلبون ودي. لكنني كنت مشغولاً بهذه الآلة العجيبة التي أتيحت لي.‏

وكنت بارداً كحقل جليد لا يوجد في العالم شيء يهزني" (ص 23) وبعد أن نضج وأصبح شيئاً في ميدان العلم يقول عن نفسه "أقرأ الشعر -وأتحدث في الدين والفلسفة، وأنقد الرسم، وأقول كلاماً عن روحانيات الشرق. وأفعل كل شيء، حتى أوقع بالمرأة في الشرك. ثم أسير إلى صيد آخر لم يكن في نفسي قطرة من المرح، كما قالت مسز روبنصون. وفي المرة الثانية قال لي جين مورس (أنت بشع. لم أر في حياتي وجهاً بشعاً كوجهك)" (ص 29).. بعدها قتلها.. هي الوحيدة من بين النساء التي واجهته ببشاعته وساديته، وتذكر ما قاله له القاضي قبل أن يصدر عليه الحكم في الأولد بيلي: "أنك يا مستر مصطفى سعيد، رغم تفوقك العلمي رجل غبي.‏"

إن في تكوينك الروحي بقعة مظلمة، لذلك فإنك قد بددت أنبل طاقة يمنحها الله للناس: طاقة الحب" (ص 48).. بعد الخروج من السجن يعود إلى الوطن مهزوماً كاسف البال حزيناً، يقول: "كنت في الخرطوم أعمل في التجارة، ثم لأسباب عديدة، قررت أن أتحول للزراعة. كنت أطول حياتي أشتاق للاستقرار في هذا الجزء من القطر، لا أعلم السبب وركبت الباخرة، وأنا لا أعلم وجهتي ولما رست في هذا البلد، أعجبتني هيئتها وهجس هاجس في قلبي: هذا هو المكان. وهكذا كان، كما ترى. لم يخب ظني في البلد ولا أهله" (ص 14).. ويعيش مصطفى سعيد في تلك القرية الصغيرة ويتزوج إحدى بناتها ولكنه فجأة يختفي، يقولون مات غرقاً، ولكن لم يتأكد ذلك، ويترك وصيته للراوي ويقول له فيها: "وأنا أترك لك تقدير الوقت المناسب لتعطي ولديَّ مفتاح الغرفة وتساعدهما على إدراك حقيقة أمري أنه يهمني أن يعلما أي نوع من الناس كان أبوهما -إذا كان ذلك ممكناً أصلاً -وليس في هدفي أن يحسنا بي الظن.‏

حسن الظن هو آخر ما أرمي إليه -ولكن لعل ذلك يساعدهما على معرفة حقيقتهما، ولكن في وقت لا تكون المعرفة فيه خطر.‏

ولكن لعلي خلقت هكذا، أو أن مصيري هكذا، مهما يكن معنى ذلك، لا أدري. إنني أعرف بعقلي ما يجب فعله الأمر الذي جربته في هذه القرية، مع هؤلاء القوم السعداء. ولكن أشياء مبهمة في روحي وفي دمي تدفعني إلى مناطق بعيدة تتراءى لي ولا يمكن تجاهلها وا حسرتي إذا نشأ ولداي أحدهما أو كلاهما، وفيهما جرثومة هذه العدوى، عدوى الرحيل إنني أحملك الأمانة لأنني لمحت فيك صورة عن جدك. لا أدري متى أذهب يا صديقي ولكنني أحس أن ساعة الرحيل قد أزفت، فوداعاً" (ص 56 -57).. وهكذا وجد الراوي نفسه يعيش في خضم حياة مصطفى سعيد، ومسئول بالدرجة الأولى -عن ولديه وزوجته وكان ذلك سبباً في تطور الأحداث داخل الرواية مما أدى إلى حدوث المأساة المروعة بقتل حسنة بنت محمود زوجة مصطفى سعيد وود الريس زوجها الذي زوجوها أهلها له بعد اختفاء مصطفى سعيد. ولكن لماذا اهتم الراوي بمصطفى سعيد؟..الراوي مثقف درس في بلاد الإنجليز وكذلك مصطفى سعيد أي أنهما نهلا من نبع واحد ومن ثم يتشابهان في أشياء كثيرة أهمها حب الشعر الإنجليزي الذي حصل الراوي على درجة الدكتوراه بدراسته.." وقد قال مصطفى سعيد (إنما أنا لا أطلب المجد، فمثلي لا يطلب المجد). لو أنه عاد عودة طبيعية لانضم إلى قطيع الذئاب هذا كلهم يشبهونه وجوه وسيمة، وجوه وسمتها النعمة. وقد قال أحد الوزراء أولئك في حفلة اختتام المؤتمر أنه كان أستاذه. أول ما قدموني له هتف:‏

(إنك تذكرني بصديق عزيز كنت على صلة وثيقة به في لندن).‏

الدكتور مصطفى سعيد. كان أستاذي عام 1928 كان هو رئيس جمعية الكفاح لتحرير افريقيا وكنت أنا عضواً في اللجنة.‏

يا له من رجل إنه أعظم الأفريقيين الذين عرفتهم كانت له صلات واسعة يا إلهي، ذلك الرجل. كانت النساء تتساقط عليه كالذباب، وكان يقول سأحرر أفريقيا بـ..ي) وضحك حتى بانت مؤخرة حلقه". (ص 100).. ولعل القارئ يتأكد الآن من أوجه الشبه بين الراوي ومصطفى سعيد ويتأكد أيضاً من الأسباب التي دعت مصطفى سعيد إلى اختياره ليكون وصيا على ولديه... يقول: "إنني أعرف مصطفى سعيد، وأن الظروف ألقت بي في طريقه، فقص علي، ذات ليلة مظلمة قصة حياته، وأنه قضى آخر أيامه في قرية مغمورة الذكر عند منحنى النيل. وأنه مات غريقاً، وربما انتحاراً وجعلني أنا دون سائر الناس وصيا على ولديه". (ص 46) و

ويحس القارئ المتفحص لهذه الرواية في كثير من المواقع أن الشخصيتين تتداخلان تداخلاً مثيراً، أحياناً يحس القارئ أن الراوي هو مصطفى سعيد، وأن مصطفى سعيد هو الراوي أو أنهما أكذوبة.. ويمكن أن نقول أن الراوي جلس إلى مكتبه وكتب يومياته الشخصية فأضحت حكاية طويلة عن شخصية خرافية اخترعها وأخذ يبحث لها عن مصير بعد كل ما فعلته ولم يجد سوى الاختفاء في خضم أمواج النيل في حضن قرية صغيرة نائية.. يعترف الراوي في كثير من الصفحات أن مصطفى سعيد لم يوجد أصلاً كشخص مادي: "أحياناً تخطر لي فجأة تلك الفكرة المزعجة أن مصطفى سعيد لم يحدث إطلاقاً وأنه فعلاً أكذوبة، أو طيف أو حلم، أو كابوس، ألم بأهل القرية تلك، ذات ليلة داكنة خانقة، ولما فتحوا أعينهم مع ضوء الشمس لم يروها" (ص 42)... إن المثقفين في البلدان المتخلفة، وكما رأينا في الفصول السابقة، يبهرون بأوروبا، لكنهم ولأنهم خارجون من مجتمعات مغلقة ينغمسون في أسوأ ما يقدمه الغرب لهم.. الجنس: وتلك كانت ذروة المأساة التي عاشها مصطفى سعيد، لقد عاشر نساء جائعات إلى الحب والحنان والجنس وكلهم بلا استثناء مرضى، ذلك يفسر قول القاضي له.. (إنك يا مستر سعيد فقدت القدرة على الحب) ولم يكن مصطفى سعيد فعلاً قادراً على الحب، كما كان غير قادر على الجنس الحقيقي وكان هو الآخر مريضاً، وساديته أودت بحياته ومستقبله على يد امرأة مازوكسية مريضة نموذجها من الصعب تصديق وجوده إلا في المصحات المخصصة لمرضى الأمراض العقلية وهو ككل من ذهبوا إلى أوروبا لم يستطيع توثيق علاقته بالمجتمع الفوقي بأوروبا وإنما أعمل مواهبه الخارقة في بنات الطبقات الدنيا المتشوقات إلى الجو الخرافي الذي كان يصوره لهم بمعونة لونه الأسمر وشعره المفلفل...ولقد ارتبط الراوي بمصطفى سعيد ارتباطاً مصيرياً حتى أن نهاية مصطفى سعيد كاد الراوي أن ينتهي بها. فعندما آن أوان اختفاء مصطفى سعيد ترك نفسه لفيضان النيل واختفى.. وعندما تأزمت الأمور في وجه الراوي بعد موت حسنة بنت محمود ألقى بنفسه في مياه النيل لكأنها مياه الغسل المقدس من الأدران الآثام... يقول: "وأحسست ببرودة الماء في جسمي كان ذهني قد صفا حينئذ، وتحددت علاقتي بالنهر.. إنني طاف فوق الماء ولكنني لست جزءاً منه فكرت أنني إذا مت في تلك اللحظة فإنني أكون قدمت كما ولدت، دون إرادتي.‏

طول حياتي لم أختر ولم أقرر. إنني أقرر الآن اختيار الحياة سأحيا لأن ثمة أناس قليلين أحب أن أبقى معهم أطول وقت ممكن ولان علي واجبات يجب أو أؤديها. لا يعنيني إن كان للحياة معنى أو لم يكن لها معنى. وإذا كنت لا أستطيع أن أغفر فسأحاول أن أنسى. سأحيا بالقوة والمكر. وحركت قدمي وذراعي بصعوبة وعنف حتى صارت قامتي كلها فوق الماء.‏

وبكل ما بقيت لي من طاقة صرخت وكأنني ممثل هزلي يصيح في مسرح: النجدة. النجدة" (ص 132).. كما ذكرت كان الارتباط مصيرياً، لكن الراوي فضل الحياة، جبن عن مواجهة النهاية، لذا صرخ في طلب النجدة، إنه ككل مثقفي البلدان المتخلفة غير الثوريين، منغلق على ذاته يحلم بإنيته مستقلاً عن الآخرين، وإذا تحدث معهم تحدث من موقع الاستعلاء التعليمي مستنداً إلى ذلك الرصيد من المعلومات الذي يتيح له الحديث دون عمل.. إن المأساة التي حدثت لحسنة بنت محمود كان هو سبباً فيها، لقد مناها بنفسه دون أن يفصح لها، مما جعلها ترفض الانصياع لحكم القرية وأهلها بالزواج من ود الريس، كانت قد ذاقت طعم العيش مع مثقف مندحر يتنكر في ثياب فلاح متمدين.. حسنة بنت محمود تلك المرأة التي ذهبت إلى والد الراوي وقالت له بلسانها: قولوا له يتزوجني والتي يعرفها رفقاؤها منذ الصبا "وهي طفلة شرسة تتسلق الشجر وتصارع الأولاد؟ كانت وهي فتاة تسبح معهم ... في النهر"‏

.. وقال عنها الراوي؟ "حسنة لم تكن مجنونة (ص 109) "كانت أعقل امرأة في البلد، وأجمل امرأة في البلد".. ورغم ذلك زوجها أهلها لود الريس الكهل المزواج المتيم بحسنة.‏

ولقد قدمه لنا المؤلف بصورة تشي بنهايته البشعة.. "وقال ود الريس في غضب مصطنع: ماذا يفهمك أنت في هذه الأمور؟ أنت وحاج أحمد كل واحد منكم اكتفى بامرأة واحدة. ولما ماتتا وتركتاكما لم تجدا الجرأة على الزواج. حاج أحمد هذا طول اليوم في صلاة وتسبيح كأن الجنة خلقت له وحده. وأنت يا بكري مشغول في جمع المال إلى أن يريحك منه الموت. الله سبحانه حلل الزواج وحلل الطلاق وقال ما معناه خذوهن بإحسان أو فارقوهن بإحسان (ص 66 -67) وذلك يفسر تلك البشاعة في قتله وقتلها، فلقد قتلت حسنة ود الريس لكأنها بذلك تريد أن تستأصل شأفة ما يمثله ولم يكن قتله نفسه هو الغرض.. يقول المؤلف على لسان بنت مجذوب "كان المصباح موقداً... ود الريس... كما ولدته أمه، وبنت محمود ثوبها مزق وسراويلها هي الأخرى دون ملابس. كان البرش الأحمر يعوم في الدم. ورفعت المصباح. وجدت بنت محمود معضوضة ومخدشة في كل شبر من جسمها. بطنها ...، رقبتها، ... الدم يسيل من شفتها السفلى. لا حول ولا قوة إلا بالله.. وود الريس مطعون أكثر من عشر طعنات، طعنته في بطنه وفي صدره وفي ..." (ص 104 -105).. ود الريس يريد أن يتشبث بكل جزء فيها وهي قد طعنته في ... كي تئد رمز فحولته وقدرته على الاستمرار.. وهي نهاية جديرة بها، نهاية شجاعة، دخلت المعركة، قتلها وقتلته!!‏

والشخصية الثالثة في الرواية هي بنت مجذوب، وهي امرأة جاوزت الستين، ولقد قصد المؤلف بتقديمها -في رأيي -تقديم، أرض السودان التي لا تعترف إلا بالرجل الذي عنده همه كي يستطيع حرثها وبذرها وجنيها ولكن طيلة صفحات الرواية كانت تتحدث عن هذا المعنى بالجنس مما ألب على الرواية أعداءً كثراً أدى استهجانهم لها إلى مصادرتها في نهاية مدة توزيعها بمعرفة دار الهلال.. والجنس المطروح على لسان بنت مجذوب جنس فني رقيق يثير الكثير ولا يثير الكثير!‏

أما بقية الشخصيات في الجانب السوداني فلا تقترب كثيراً ناحية الفعل.. الجد وبكري ومحجوب لا يخدمون كثيراً في الرواية فيما عدا محجوب زميل الراوي في الدراسة الذي رفض تكملة تعليمه وفضل البقاء كفلاح.. ولعل وصف ود الريس لهم كان حقيقياً.. الجد دائب الصلاة، وبكري مشغول في جمع المال، ومحجوب في مشكلات الجمعية والحزب الذي ينتمي إليه.. وكان وجودهم لخدمة الجو الروائي فقط، والوحيد الذي أخذ على عاتقه اتيان الفعل هو محجوب الذي وصم الراوي بأنه السبب في حدوث المأساة موضوع هذه الرواية وتشابكا حتى كادا أن يقتل كلا منهما الآخر!لذلك لم يكن مصطفى سعيد كاذباً فقط، بل كان هو نفسه أكذوبة".‏وضحايا مصطفى سعيد من النساء كن من التافهات، فشيلا غرينود "قروية من ضواحي هل، أغراها بالهدايا والكلام المعسول والنظرة التي ترى الشيء فلا تخطئه. دوختها رائحة الصندل المحروق والند. حلوة الوجه فعلاً، تبتسم في الصورة وفي جيدها عقد، من العاج بلا شك. ذراعاها مكشوفتان في الصورة وصدرها بارز. كانت تعمل في مطعم بالنهار وبالليل تواصل الدراسة في البلوتكنيك. كانت ذكية تؤمن بأن المستقبل للطبقة العاملة، وأنه سيجيء يوم تنعدم فيه الفروق ويصير الناس كلهم إخوة. كانت تقول له (أمي ستجن وأبي سيقتلني إذا علما أنني أحب رجلا أسود ولكنني لا أبالي) "من كان يظن أنها تقدم على الانتحار.. ماتت دون أن تنبس ببنت شفة"

وهذا يؤكد لنا كيف كان مصطفى سعيد يصطاد ضحاياه.. نساء مبهورات بلونه الأسود، وفحولته الجنسية، والطقوس التي يحيط بها ممارسته للجنس معهن، أجواء غريبة مثيرة يهيئها لهن مستغلاً افتقادهن لقداسة الجنس.. هو ابن المجتمع المغلق، ومهما حاول تبرير انتهاكه لهن بدعوى أنه كمستعمر منتهك اقتصادياً وسياسياً وإنسانياً، وربما كانت النظرة العنصرية لها دخل كبير في سلوكه مثل هذا المسلك، هذا إذا وضعنا في الاعتبار ما ذكره اللورد كرومر المعتمد البريطاني في مصر إبان الاحتلال الإنجليزي عندما ذكر أنه حتى المومسات الأوربيات ممنوعات من ممارسة البغاء مع المصريين!‏
(صلاح عيسى -جريدة الجمهورية -عدد يوم 25 /10/ 1973) فإن ذلك لا يغفر له، ولقد كان ميدان مصطفى سعيد في بلاد الإنجليز هو ميدان العاهرات، والرمز الذي يمثلنه أولئك العاهرات لا يمكن أن يعبر عن ما أراده الكاتب؟ ومن الظلم أن تصور الحضارة الأوروبية بصورة العاهر، ولقد ناقشنا تلك القضية في الفصول السابقة: فأوروبا ليست عاهر... أوروبا العقل المستنير، أوروبا العنف الذي تسرب إليها منذ ألف عام -على حد تعبير المؤلف حين كانت الإمبراطورية الرومانية تحكم العالم بالسيف والدرع.. هذا ما كانت تحلم به أوروبا بعد انهيار الرجل المريض (الإمبراطورية العثمانية).‏

أما إيزابيلا سيمور "فامرأة مستديرة الوجه، تميل إلى البدانة تلبس رداء قصيراً بمقاييس ذلك الوقت، ليست تماماً تمثالاً من البرونز كما وصفها ولكن في الوجه طيبة واضحة وتفاؤلاً بالحياة وتبسم. هي أيضاً تبتسم قال أنها كانت زوجة لجراح ناجح، أما لبنتين وابن. قضت أحد عشر عاماً في حياة زوجية سعيدة، تذهب للكنيسة صباح كل أحد بانتظام، وتساهم في جمعيات البر. ثم قابلته واكتشفت في أعماقها مناطق مظلمة كانت مغلقة من قبل. وبالرغم من كل شيء تركت له رسالة تقول فيها (إذا كان في السماء إله، فأنا متأكدة أنه سينظر بعين العطف إلى طيش امرأة مسكينة لم تستطع أن تمنع السعادة من دخول قلبها، ولو كان في ذلك إخلال بالعرف وجرح لكبرياء زوج. ليسامحني الله ويمنحك من السعادة مثل ما منحتني).‏

حين خطا زوجها إلى منصة الشهادة في المحكمة، تعلقت به الأبصار. كان رجلاً نبيل الملامح والخطو، رأسه الأشيب يكلله الوقار ويجلس على سمته مهابة لا مراء فيها كان رجلاً لو وضعت معه على ميزان، فإن كفتيه ترجح كفتي أضعاف أضعاف وكان شاهد دفاع لا اتهام.‏
قال في الصمت الذي خيم على المحكمة: الإنصاف يحتم علي أن أقول أن إيزابيلا زوجتي كانت تعلم بأنها مريضة بالسرطان.‏

كانت في الآونة الأخيرة، قبل موتها، تعاني من حالات انقباض حادة. قبل موتها بأيام اعترفت بعلاقتها بالمتهم. قالت أنها أحبته وأنه لا حيلة لها. كانت طول حياتها معي مثال الزوجة الوفية المخلصة. وأنا بالرغم من كل شيء لا أحس بأي مرارة في نفسي، لا نحوها ولا نحو المتهم. إنني فقط أحس بحزن عميق لفقدها" .

امرأة أخرى هي آن همند يقول عنها "كانت عكسي تحن إلى مناخات استوائية، وشموس قاسية، وآفاق أرجوانية، كنت في عينيها رمزاً لكل هذا الجنس. وأنا جنوب يحن إلى الشمال والصقيع. كانت تملك شقة في هامستد تطل على هامستد هيث تجيئها من أكسفورد آخر الأسبوع. كنا نقضي ليلة السبت عندي وليلة الأحد عندها وأحياناً تمكث الاثنين وأحياناً الأسبوع كله. ثم أخذت تتغيب عن الجامعة شهراً وشهرين حتى فصلت.‏ وذات يوم وجدوها ميتة انتحاراً بالغاز ووجدوا ورقة صغيرة باسمي، وليس سوى هذه العبارة:‏

(مستر سعيد لعنة الله عليك). كان عقلي كأنه مدية حادة، وحملني القطار إلى محطة فكتوريا، وإلى عالم جين مورس."

مرة أخرى يجد صيدا سهلاً فتلك الفتاة كانت مبهورة بذلك العالم الخرافي الذي كان مصطفى سعيد يحكي ويدعي أنه ينتمي إليه وللأسف كانت بركتها الساكنة سهلة التحريك بفضل مجاديفه السارية.. وانتحرت الفتاة، ولسنا ندري لماذا انتحرت؟‏

ألا أنها أحست بالعار -كبيضاء -يمتهن جسدها رجل أسود، أم ترى أحست بالدونية بعد أن فقدت الجامعة والمستقبل على يد رجل أجداده من عبيد أبناء جلدتها؟‏

ونأتي إلى عالم جين مورس يقول: "لبثت أطاردها ثلاثة أعوام.. وذات يوم قالت لي (أنت ثور همجي لا يكل عن الطراد... إنني تعبت من مطاردتك لي، ومن جريي أمامك تزوجني) وتزوجتها. غرفة نومي صارت ساحة حرب.‏

كانت الوحيدة التي تزوجها، قبل أن تقيد حريته، ولقد تزوجها لأنها تمنعت، لم تسمح له بالاقتراب منها.. النساء اللائي سبقنها كن ينهزمن عند أول طرقة، أما هي فرفضت أن يقبلها إلا بعد التوقيع على صك العار الذي أحاط برقبته وأرسل به إلى السجن.‏
غرس الخنجر في صدرها وهو يضاجعها، وكانت تلتذ بالموت.. يقول: "وأحست بدمها الحار يتفجر من صدرها. وأخذت أدعك صدرها بصدري وهي تصرخ متوسلة:‏

تعال معي تعال.. لا تدعني أذهب وحدي "وتموت ويذهب إلى السجن ويعود إلى الوطن ويموت أو يختفي وهكذا (لا يصل إلى الالتحام التام معها إلا بالدمار لكليهما) ويفسر الدكتور شكري عياد في دراسته المشار إليها إلى أن ذلك (يرمز إلى سقوط الحضارة الغربية صريعة العنف الذي مارسته طويلاً مع الشعوب المستعبدة)

ولكننا لسنا مع هذا الرأي على إطلاقه.. فإن همند وشيلا غرينود واليزابيث سيمور وجين مورس وجه من وجوه الحضارة الغربية، أما الوجه الآخر فهو مستر روبنصون وكل من ساعد مصطفى سعيد، الخلل كان داخله هو، ليست الحضارة الأوربية مسؤولة عن اندحاره، أليست الحضارة الأوروبية هي التي رفعت في فرنسا شعار الحرية والإخاء والمساواة.. أليست هي التي نادت "يا عمال العالم اتحدوا".. إن كل حضارة لها جانبها المضيء وجانبها المظلم، ولكن مصطفى سعيد لسوء حظه -التقى بالجانب المظلم وانغمس فيه وكان ذلك سر مأساته ولعل أوروبا مسؤولة بالدرجة الأولى -بسبب استعلائها -عن مأساة أمثال مصطفى سعيد فهي برغم ما تقدمه من علم إلى أبناء البلدان المتخلفة، تدفعهم إلى القاع كي تدمرهم باللاوعي.. حتى عندما عاد إلى وطنه لم يستطع الانغماس فيه كمواطن عادي، وطنه في صورة حسنة بنت محمود زوجته السودانية، الوحيدة التي أنجبت منه، إنها تمثل الأرض العطشى إلى البذار، لكنه لم يستطع أن يتحمل المسْؤولية فانتحر.‏

لقد تعود على الإقلاع بشراعه دائماً.. لقد هزم في أوروبا مثله مثل (أديب) طه حسين، ولكنه يختلف عن الطبيب في قنديل أم هاشم) ذلك الذي أنقذته حضارته من الضياع والتحم بشعبه، ومات وهو يخدمهم متفهماً لهم مستعملاً الحضارة في علاجهم.. إن مأساة مصطفى سعيد تكمن في أنه فهم الحضارة الغربية بصورتها المعتدية.. كان واجباً عليه فهم أساليبها ومقاومتها حال الاعتداء والنهب والسلب، أما رفضها وإدانتها بكاملها ففيه مصادرة على الحقيقة، فالعالم كله يعيش في عصر الحضارة الأوروبية ومنجزاتها. ولقد خاض العالم حربين ضروسين من أجل الحفاظ عليها، هذه الحضارة التي ليست نتاج شعوبها فحسب، إنما نتاج حضارات الدنيا كلها، وبالتالي تصبح مأساة مصطفى سعيد مأساة فردية.. والمثال أمامنا واضح، فلقد استطاعت الصهيونية العالمية أن تفهم سر الحضارة الغربية وتستفيد من ضميرها وتستعديها على العرب الذين هم الحقيقة منصفوا اليهود ومنقذوهم من الاضطهاد، فلقد أصبح اليهودي المطارد المضطهد في ضمير كل أوروبي، واستطاعت الكيان الصهيوني ابتزاز هذا الضمير إلى حد وصل إلى قتل العرب من أجل أن يعيش اليهود.‏

لقد عاش مصطفى سعيد غريباً في وطنه برغم أنه تلقاه بالبشر ومنحه الأرض الخصبة، لم يستطع الاستمرار، كان جنوباً يحن إلى الشمال، وكان مريضاً ومات. دعك من الأسباب، المهم أنه رفض العلاج الناجع وفضل الموت غرقاً.‏

ولقد حرص المؤلف بشكل يلفت الانتباه على كتابة روايته بأسلوب يقترب من الشعر، وبطريقة ماهرة جداً تؤكد تمكنه من أدواته، ووفر لشخصيات روايته كل العناصر اللازمة لنجاح عمله وتأبيده في وجدان القارئ، ومن ثم تقف أي الرواية كأثر أدبي ممتاز يستطيع مطاولة أرقى وأشهر الأعمال الأدبية الجديدة في العالم الغربي.. وكانت شخصية مصطفى سعيد المتدثرة بعباءة الراوي شخصية فذة في دونيتها وتهرئها المقيت.. فلكي يصل مصطفى سعيد إلى نهايته المحتومة قدمه لنا المؤلف بطريقة تنسجم مع هذه النهاية المفجعة به المختلة بشكل يثير لدى المتلقي الكثير من التساؤلات وكان استعماله.. (للفلاش باك) مثيراً وماهراً مما أدى إلى صعوبة التعليق بشكل مطول على الرواية لأنها عرضت القضية والاتهام والدفاع والحكم، ولم تترك للنقد أو المراجعة سوى الإعجاب والتقريظ.‏