الترادف يعني إشتراك لفظين أو أكثر في حمل معنى واحد باعتبار واحد أي أن يكونا من نوع واحد اسمين أو فعلين .

ولكن الترادف ليس مما يتفق العلماء على الإقرار به في اللغة العربية فبعض العلماء من المتقدمين والمحدثين أقرّ به و اعتبر تلك الألفاظ مؤديةٌ لمعنى واحد كالأصمعي والفيروزأبادي صاحب( القاموس المحيط.) ومنهم من لا يرى ذلك كأبي منصور الثعالبي صاحب كتاب (فقه اللغة وأسرار العربية) وكأبي هلال العسكري الذي ترجم إنكار الترادف عمليا بتصنيف كتاب (الفروق في اللغة) ليؤكّدَ من خلاله أن هذا الألفاظ ليست مترادفةً، فهذا الفريق يؤمن بهذه الفكرة و يرى أن الأالفاظ التي يظنّ أنها مترادفة ليست كذلك حقيقة ، لكنها متقاربة، وهي تحمل فروقا دقيقةً بينها لم تكن تخفى على أصحاب اللغة الذين كانت اللغة عندهم حسّا و ذوقا و فطرة.

في الواقع هذا البحث كلُّه ينبغي أن يكون للقرآن الكريم ، وهو الذي جاء في ذروة البلاغة العليا . ومن التأمل في مواطن ورود بعض الكلمات التي يقال بترادفها في القرآن الكريم نلحّظ أنّ هناك فروقا معنوية بين تلك الكلمات وأنه لا يجوز أن تأخذ إحداها مكان الأخرى وإلّا ضَعُفَ المعنى.
سنعرف الآن على بعض الأمثلة القرآنية اللتي
لَنرى تفريقَ القرآن في الاستعمال بين الألفاظ المتقاربة المعنى أي الكلمات المترادفة.

آثر

آثر: يقول ابن فارس: « تقديم الشئ وذکر الشئ ،و رسم الشئ الباقي». (مقاييس اللغه، ج1، ص83 ).

ويقول الراغب :« يستعار الأثر للفضل ،والإيثار للتفضّل ومنه آثرته» ويري ابو هلال أن :«الإيثار هو الختيار المقدّم، والشاهد قوله تعالي : (قالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا وَ إِنْ كُنَّا لَخاطِئينَ )[يوسف؛12/91] کقوله تعالي (فَأَمَّا مَنْ طَغى‏ وَ آثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا ) [النازعات/ 38] ( المفردات في غريب القرآن، ص: 62 )

آثَرَه عليه: فضّله. و في التنزيل: (قالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا وَ إِنْ كُنَّا لَخاطِئينَ ) [يوسف؛12/91] و أَثِرَ أَن يفعل كذا أَثَراً و أَثَر و آثَرَ، كله: فَضّل و قَدّم. و آثَرْتُ فلاناً على نفسي: من الإِيثار. (لسان العرب، ج‏4، ص: 6) وحكى ابن السكيت: رجلٌ أَثُرٌ إذا كان يَسْتَأْثِرُ على أصحابه، أي يختار لنفسه أفعالاً وأخلاقاً حسنةً. والمَأْثرَة بفتح الثاء وضمها: المكرُمة وآثَرْت فلانا على نفسي، من الإيثار. (الصحاح ، الجوهري ، ج 1، ص: 8)

فضّل‏

يدلُّ على زيادةٍ في شيء. من ذلك الفَضْل: الزِّيادة والخير. والإفضال: الإحسان. (مقاييس اللغه، ج4، ص393 ).

الفَضْلُ: الزّيادة عن الاقتصاد، و ذلك ضربان: محمود: كفضل العلم و الحلم، و مذموم: كفضل الغضب على ما يجب أن يكون عليه. و الفَضْلُ في المحمود أكثر استعمالا، و الفُضُولُ في المذموم، و الفَضْلُ إذا استعمل لزيادة أحد الشّيئين على الآخر فعلى ثلاثة أضرب:

والأول : فضل من حيث الجنس، كفضل جنس الحيوان على جنس النّبات.

والثاني : فضل من حيث النّوع، كفضل الإنسان على غيره من الحيوان، و على هذا النحو قوله:

( وَ لَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ )[الإسراء/ 70]، إلى قوله: تَفْضِيلًا

والثالث : فضل من حيث الذّات، كفضل رجل على آخر. فالأوّلان جوهريّان لا سبيل للناقص فيهما أن يزيل نقصه و أن يستفيد الفضل، كالفرس لا يمكنه أن يكتسب الفضيلة التي خصّ بها الإنسان، و الفضل الثالث قد يكون عرضيّا فيوجد السّبيل على اكتسابه، و من هذا النّوع التّفضيل المذكور في قوله:( وَ اللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى‏ بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ‏) [النحل/ 71]، ( لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ) [الإسراء/ 12]، يعني: المال و ما يكتسب، و قوله:

( الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى‏ بَعْضٍ) [النساء/ 34]، فإنه يعني بما خصّ به الرّجل من الفضيلة الذّاتيّة له، و الفضل الذي أعطيه من المكنة و المال و الجاه و القوّة، و قال: ( وَ لَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى‏ بَعْضٍ‏) [الإسراء/ 55]، ( فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ ) [النساء/ 95]، (المفردات في غريب القرآن، ص: 639)

فَضَّلَ فلانٌ على غيره إِذا غلب بالفَضْل عليهم. و قوله تعالى: (وَ فَضَّلْناهُمْ عَلى‏ كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا) [الإسراء/70] ، قيل: تأْويله أَن الله فضَّلهم بالتمييز. (لسان العرب، ج‏11، ص: 524)

الفَضْلُ والفَضيلَةُ: خلاف النقص والنقيصة. والإفْضالُ: الإحسان. ورجلٌ مِفْضالٌ وامرأةٌ مِفْضالَةٌ على قومها، إذا كانت ذات فضْلٍ سمحةً. وأفْضَلَ عليه وتَفَضَّلَ بمعنًى. والمُتَفَضِّلُ أيضاً: الذي يدَّعي الفَضْلَ على أقرانه.( االصحاح ،الجوهري، ج3،ص:333)

والذي نُخلّص اليه: أن إلايثار لفظٌ عامٌ يراد به التقديم ،ويمکن أن يطلق علي الأدني والأعلي في حين أن التفصيل لفظٌ خاصٌ يراد به الزيادة في الخير، ولا يطلق إلا علي الأعلي، و بذلک نجد أنّ الإيثار غير التفصيل، أما الختيار فإتخاذ الشئ نظرا لما فيه من الخير، والإصطفاء اتخاذ الشئ نظرا لما فيه من الصفاء.

نتيجة البحث:

نلحّظ في مناقشه الکلمات المترادفه في القرآن الکريم أنّ هذه الظاهره يعَدَّ من الظواهر اللغویة المهمة ، لما في علاقة الألفاظ بالمعاني من أثر في التّواصل بين الناس، وقد تشعّبت مسائل التّرادف، و العلماء و الدّارسين إهتمّوا بها کلَّ الإهتمام، فاختلفت آراؤهم فيها، وتباينت اتّجاهاتهم حولها. وکان لمسألة الترادف نصيبٌ طيبٌ من جهود المشتغلين بالقرآن الکريم، قديماً وحديثاً.

و يظهر أنّ ظاهرۀ الترادف تکون من إحدي شواهد في الإعجاز اللغوي و البياني في القرآن الکريم و کانت ممّا تحدّي الله به أرباب البيان العربي، فأعجزهم أن يأتوا بسورۀ من مثله تختلف ألفاظها وتتقارب بعض معانيها حتي يظنّ فيها الترادف، وما هي من الترادف في شيء و إنما لکلّ لفظٍ في نظمِه المبين مقامٌ لايقوم فيه غيره.